وَ ما أَدْراكُم مَنْ مَنصُور؟

“مَنْصُور” أَحَدُ الآسيَويين الذِينَ يَعْمَلُون فِي أَحد البَقالاتِ الصَغِيرة فِي زِقْاقِ المَنْصُورَة بِالدَوْحَة، كُنا نَسْكُنُ بِمَسْكَنٍ بَالقُرب مِنْ بَقالَته، فَكانَ ايُ احتِياجٍ نُرِيد، نَحْصُلُ عَليهِ بِمُنْتَهى السُرعَة ومُنْتَهى الجَوْدَة، إضافة إلى بَسَماتٍ إيجابية “مجانية”، فَكانَ يَبْتَسمُ ابتِسامَةً أكادُ أَجْزُمُ أنها الأكثَر تفرداً وعمقاً بَيْنَ البَسَماتِ أَجْمَع. يَحْفِظُ أسماءَ المُحِيطِينَ جَمِيعاً، بل ويُلَقِبهم بألقاب تَرفعُ معنوياتهم ، فمثلاً يُلقبني ب” مُدير ” ويُلقبُ أحدهم ب ” أستاذ كبير” و آخر ” إنسان واجد زين “. لا يكرر منصور الألقاب ويَحفظُ الوُجوه، وعندما يَراكَ مِنْ بعيد يَرتفعُ صوتهُ وهو يَذْكُرُ اللًقب الذي خَصَصَهُ لَكً ،بِسلامٍ حار وبِبَسمات لو وُزِعَت على أَهلِ الأرضِ لَكَفَتْهُم.

انتقلَ بعضنا بَعد زمنٍ إلى حَيّ آخر بِمَنطقة أُخرى،وتَفاجَأتُ مُنذ فترة وجيزة أن جميعنا مازالَ يَتَرَدَدُ على نَفْسِ البَقّالة ، رَغْمَ أنها تَبعدُ عن المَسكنِ الجديد بعضَ الشيء! ورَغمَ تَواجد البَقّالات بِالقُربِ مِنْ السَكَن الحالِيّ، وعِنْدَما يَصِلُ أحَدُنا إلى البَقالة و”يطق هرن” فَورَ وُصُولهِ لَيَطلب طلباتهِ مِنْ مِقْعَدِهِ بِالسيارة وهُوَ فِي آخر مَراحِل الراحة ، فَيَخْرُج لَهُ آسيوي آخر غير ” منصور” يَسْألهُ عَنْ طَلَباتِهِ ،يُجِيبهُ على الفَور “وين منصور؟ ناد لي منصور” ، ظَنَنْتُ أنني الوحيدة في هذا التصرف حتى الأُمس القريب ، إلى أن عَلِمْتُ مِنْ حَدِيثٍ مُتشعب أن الجَميع يَفعَلُون الفِعْلَة نَفْسها.

منصور، ذلكَ الآسيوي البَسِيط ، الذي لا يتجاوز مُرتبهِ ال700 ريال قطري، يبتسمُ الابتسامات المُتَلألئة ، والتي لا تَنُمُ عَنْ ابتسامةِ هُولِيوُود ، وإنما تَنُمُ عَنْ جَمالِ العُمْقِ والرُوح، والتفاؤل والسِعَة ، والبَساطة والإيجابية. عندما أودُ أن أشرع في بَدء طلباتي ،أسألهُ بَعدَ إلقاءِ السلام ، ” شلونك منصور؟ ” ، يُجِيبُنِي :” أنا واجد واجد واجد زين مُدير “. لَستُ أدري لِمَ يُلقبني مدير! قد تكون النظارة الطبية التي ألبس قد أوحت له بذلك وقد لا تكون، رغمَ أني لَستُ مُدير ولا “بطيخ”.

منصور لا يَملكُ حساب في مصرفٍ مُعَين ، ولا يَمْلِكُ سيارة بورش أو بي إم دبليو أو حتى كورلا، وأشك إن كانَ يَملكُ حتى دراجة هوائية مُستخدمة . منصور لا يلبسُ الرولكس المرصعة بالألماس، وقد لا يملك ساعة من أصل. وشهادتهُ ليست بكالوريس أو ماجستير أو يزيد، وأشكُ إن كانَ يَحملُ شهادة الثانوية أو حتى الاعدادية، ولكن منصور.. ومايُدرِيكُم مَنْ منصور ! يَملكُ سلاماً داخلياً فاضَ حتى أغرقَ به جميع مَنْ حوله.

يستغرب من يحادثهُ لِثوانٍ فقط مِنْ بَسماتهِ وإيجابيتهِ وسرعة خدمتهِ وحتى جودتها .. منصور أضافَ إلى الحياة رونقاً وبهجة ، أضافَ إلى عملهِ البسيط قيمة عظيمة ، أضافَ لِجميع عُملائة شحنات إيجابية تُدهشه للوهلةِ الأولى وللوهلةِ الثانية والثالثة، ومابعدها.

ما يُدهشني عندما أسألُ الناس” كيف الحال” ؟ تتفاوت الإجابات في مقاديرها فالبعض يُجيب: “الحمدلله.. ماشي الحال”، وهناك من يجيب ب :Not Bad”” وكأنه سوف يُقْبَرُ بَعْدَ قليل، وهُناكَ فئة تجيب بامتعاض : “في الدنيا” . وهي تُشير بِيَديها وتُلَوِحُ  للأسفل ، وكأنها في عالمٍ أسودٍ مُظلمٍ بل حالكٍ دامس. وهناكَ قلة نادرة جداً تلكَ التي تَبْتَسِمُ إبتسامة غزيرة فَتُجيب : “عال العال والحمدلله”. حينَ أسمع الاجابات  السلبية من اُناسٍ مَلَكُوا الدُنيا بينَ أيديهم ولكنهم لم يَمْلِكُوها فِي قُلُوبِهم أَقولُ في خُلْدِي : أينَ أنتم مِنْ منصور الذي ملك الدنيا في قلبه ولم يملك ذرة منها بين يديه.

منذُ فترةٍ بسيطة التَقَيْتُ بإحدى الصديقات ، فإذا بها في حالةِ ضيقٍ وكَدَر فَسَألْتُها مُبادرةً : “سلامات ، عسى ماشر؟” فأجابت وهي ترفع كتفيها تُشيرُ بأنهُ لا شيء.. بعدَ وقتٍ وَجِيز مِنْ سُؤالي أخبَرَتنِي ” كُلُ شيءٍ على حالهِ لم يَتَغَير، أنا كما أنا ، مَلِلتُ مِنْ الحياة نفسها..” رغم أنها في رَغدٍ ونَعيم والدُنيا بينَ يَديها تَعُوم، لكِنَّ السعادةُ هاهُنا >> في قَلْبِك ، وبَيْنَ جَنبيك.

قرأتُ في أحدِ الكُتب المُترجمة مُنذ فترةٍ مِنْ الزَمَن ، عِنْدما يَسأَلُكَ أَحَدُهم كَيفَ الحال؟ فَأَجِب على الفَور : لو كُنْتُ أَسْعَدُ مِنْ هذا الحال لَمَلِكتُ الدُنيا ، بِكلماتٍ أُخرى : عال العال والفضلُ لله، فعَلِمْتُ حقاً إنهُ حتى وإن لم تَكُن فِي غايةِ السعادة ، فإنَّ هذهِ الكلمات تُؤكد خُطاكَ على دربِ الامتنان ، فَتَسْتَشعِرُ كُلَّ جميلٍ تَمْلكهُ، فَتكُونُ حِينها مِنَ السُعَداء أُولئكَ الذينَ هُم مُمْتَنِينَ للمَوجُود ، الذينَ لا يَبْكُونَ المَفْقُود،فَيَزِيدُهُمُ اللهُ بِعطاءٍ لا مَحْدُود.

اللهم لَكَ الحَمد حمداً عظيماًعلى جميعِ النِعَم بَسِيطها وعَظِيمها .. ما عَلِمنا مِنْ تِلْكَ النِعَمْ وما لَم نَعْلَم.

رحاب شريف

23 ابريل 2012

مقالات ذات صلة

عزيزي الرجل

تدخلُ علينا “أم فلان” المجلس وتأخذ مكانها بالقرب من الصديقة الأقرب لتستطيع الدردشة الجانبية، والفضفضة الخاصة، بعد السلام على الموجودات، وبعد تعليقات من هنا وهناك، تبدأ اختنا…

ملل

أدخلُ المنزل لأُلقي التحية ، فأسمعُ من أخي الأصغر “إبراهيم” الكلمة المعتادة “ملل”، ليُدهشني دهشة تتشقلب منها قسماتي، أحضنه بعض الوقت ثم أعدد لهُ كل…

البخلاء و الحب

مازلتُ أتذكرُتلكَ القِصَة الحقيقية التي قَرَأتُها والتي تَمَّ تَمثِيلِها وعَرْضها في دُورِ السينما،  قِصةُ أَحَد الأزواج الذي عَلِمَ مِنْ طبيبِ زَوْجَتهِ أنها مُصابة بِمَرضٍ عُضال وإنها…

حَبِيبة غَيْرِه

اشتَهَرَتْ قصةُ أَحد الفتيات في أيامِ الدراسةِ الجامعية، فَقَدْ أَحَبَتْ أَحَدُ زملائها في الجامعة، وأَحَبَها حُباً شديداً،وبَعْدَ أربع سنوات مِنْ الحُبِ والوَلَع ، اختارَ إبنةُ…

لِــمَ؟

كنتُ استمعُ لأحد البرامج التلفازية للدكتورة فوزية الدريع منذ فترة ، لفتَ انتباهي كلامها عن مشكلة لإحدى الفتيات، التي أحبت زميل عملٍ لها حباً عظيماً…

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اختر العملة
Open chat
Hello ????
Can we help you?