“بقشيش!”


تُعاتبني صديقتي منذ اثنتي عشرة سنة بقولها:” وايد تعطين بقشيش” ،بينما

أجيبها دوما بالجواب نفسه:”صدقة وليس بقشيشا!” ، تلكَ النوايا الصغيرة بخلدنا تصنع الفارق.

هي تعتبر هذا المبلغ البسيط “بقشيشا” وتدفعهُ لأنهُ إحدى حركات ” الذوق والتمدن” ، وقد تسميه “برستيج”، وهناك من يعتبر هذا المبلغ “صدقة” لوجه الله.

أحيانا أذهبُ مع بعض الصديقات اللاتي تزيد رواتبهن على مرتبي بأضعاف، فيصادفنا سائل فقير، أجدها تجيب بجفوة:”الله يعطيك” ، دون أدنى جهد للبحث عن ” فتات المال” المُلقى بحقيبتها التي يتجاوز سعرها العشرين ألف ريال!، أناديهِ لأمنحهُ بعضاً قليلاً من المال، فتنهرني بشدة لتقول:” يقصون عليج وإنتي تصدقين!؟”، أنتظر حتى يختفي السائل – وجميعنا سائلون-  لأُجيبها:

– “وكيف علمتِ أنهُ محتال؟

-“يبين من شكله!!”

– “ياسبحان الله، أتظنين أنكِ تملكين هذه الفراسة؟ أم أنك تعلمين السر وما يخفى؟”

-“أنا ما أحب أحد ينتهزني”.

-” وأنا لا أحب أن أردَّ سائلا، أما بالنسبة عن موضوع الانتهاز فأنا أفترض حسن النية،والأجر واقع في أي حالة”.

أذكرُ منذ زمن بعيد حين كنت صغيرة ، طرقت باب جدتي امرأة كبيرة في السن تسألنا من فضل الله، فكانت إحدى القريبات تقولُ لجدتي بصوتٍ مرتفع :”خليها تولي، عندها أكثر منج”، تُسكتها جدتي وهي تضع السبابة على شفتيها تومىء بأن اصمتي حتى لا تسمعكِ، وتهرعُ جدتي كالبرق لتمنحها ماتستطيع.

منذ فترة طويلة قرأتُ مقالاً في أحد كتب الشيخ علي الطنطاوي تحت عنوان:” أحسن كما أحسن الله إليك”، ذيع هذا المقال في عام 1952!

ولكنها الكلمات الصادقة ، يموت صاحبها ويُدفن، وتبقى حية نيّرة أبد الدهر، يقول في مقاله البديع:

“قصة المرأة التي كان ولدها مسافراً، وكانت قد قعدت يوماً تأكل وليس أمامها إلا لقمة إدام وقطعة خبز،فجاء سائل، فمنعت عن فمها وأعطته وباتت جائعة ، فلما جاء ولدها من سفره جعلَ يُحدثها بما رأى وقال: من أعجب ما مرَّ بي أنه لحقني أسد في الطريق، وكنتُ وحدي فهربت منه، فوثب علي وما شعرتُ إلا وقد صرت في فمه،وإذا برجلٍ عليه ثياب بيض يظهر أمامي فيخلصني ويقول: “لقمة بلقمة” ولم أفهم مراده .. فسألتهُ والدتهُ عن وقت الحادثة، وإذا هو في اليوم الذي تصدقت فيه على الفقير،نزعت اللقمة من فمها لتتصدق بها فنزع الله ولدها من فم الاسد”.

 ويذكر قصته الشخصية فيقول: ” ولا تظنوا أن الذي تعطونهُ يذهب بالمجان، لا والله، إنكم تقبضون الثمن أضعافاً في الدنيا قبل الآخرة، وقد جربت ذلك بنفسي، أنا أعمل وأكسب وأنفق على أهلي منذ أكثر من ثلاثين سنة وليس لي من أبواب الخير والعبادة إلا أني أبذلُ في سبيل الله إن كان في يدي مال، ولم أدخر في عمري شيئاً، وكانت زوجتي تقول لي دائماً :”يارجل، وفر واتخذ لبناتك داراً على الأقل، وأقول:”خليها على الله”. أتدرون ماذا كان؟

لقد حسب الله ما أنفقتهُ في سبيلة وادخرهُ لي في بنك الحسنات، الذي يعطي أرباحاً سنويا قدرها سبعون ألفاً في المئة، نعم وهناك زيادات تبلغ ضعف الربح، فأرسل الله لي صديقاً لي سيداً كريماً من أعيان دمشق فأقرضني ثمن الدار،وأرسل أصدقاء آخرين من المتفضلين فبنوا الدار حتى كَمَلَتْ وأنا -والله- لا أعرف من أمرها إلا مايعرفهُ المارة عليها من الطريق، ثم أعان الله برزق حلال لم أكن محتسباً فوفيت ديونها جميعا، ومن شاء ذكرتُ له التفاصيل، وسميتُ لهُ الأسماء”.

لقد علمتني والدتي”ليلى” حفظها الله، أن أمنح وأتصدق بما أستطيع لكل سائل، فلا أنظر في وجهه نظرة تمحيص وتدقيق، ولا أتفرس في وجهه كالخبير صاحب الحدس الثاقب، بل أمنحهُ جاعلة نيتي لله عز وجل، ليكون منهاجي ” لن أرد سائلا حتى لا يردني الله من بابه حين أسأله”.

والله منذ أن اتخذت هذا المنهج ديدني ماوقعتُ في ضيق قط إلا وفرجهُ الله عني، ولا أحتجتُ لشيء إلا جاءني يعدو.

اللهم وفقنا للخير وللخير وفقنا… آمين.  

مقالات ذات صلة

البخلاء و الحب

مازلتُ أتذكرُتلكَ القِصَة الحقيقية التي قَرَأتُها والتي تَمَّ تَمثِيلِها وعَرْضها في دُورِ السينما،  قِصةُ أَحَد الأزواج الذي عَلِمَ مِنْ طبيبِ زَوْجَتهِ أنها مُصابة بِمَرضٍ عُضال وإنها…

حَبِيبة غَيْرِه

اشتَهَرَتْ قصةُ أَحد الفتيات في أيامِ الدراسةِ الجامعية، فَقَدْ أَحَبَتْ أَحَدُ زملائها في الجامعة، وأَحَبَها حُباً شديداً،وبَعْدَ أربع سنوات مِنْ الحُبِ والوَلَع ، اختارَ إبنةُ…

الدجاجيون

لَديَّ صديقات اُسَمِيهنَّ “الدجاج” لأنهم ينامون مبكراً جداً ويصحون مبكراً جداً، ولم أعتد يوماً أن أكون مثلهم، فساعات العطاء عندي تمتدُ من المغرب حتى الفجر، وفي هذا…

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اختر العملة
Open chat
Hello ????
Can we help you?